عالمية العزاء الحسيني

 

مراسم العزاء في (تايلند(

روى السيد محمد علي الشهرستاني الذي زار بانكوك عاصمة تايلند في العشرة الأولى من محرم سنة 1394 قائلاً:

إن العزاء الحسيني يقام على أتم مظاهره في بانكوك وبعض أنحاء تايلند. فإنه شاهد بأم عينيه إقامة مجالس العزاء والمآتم واجتماعات النياحات وقراءة المراثي على الإمام الشهيد الحسين بن علي (عليه السلام) في هذه العشرة، وإنه اشترك بنفسه في بعضها وخاصة في المواكب الحزينة ومجال النياحة التي أقيمت في المساجد والحسينيات التي أنشئت في بانكوك على مرور الزمن ومنذ أن نزلها أحد علماء الشيعة وهو أحمد القمي قادماً إليها من إيران على عهد الأسرة الملكية الصفوية منذ أكثر من 400 سنة.

ويشترك الشيعة كلهم في هذه المراسيم العزائية التي تقرأ فيها فاجعة الطف بتفاصيلها كما يلبس في هذه العشرة الحزينة وخاصة يومي تاسوعاء وعاشوراء اللباس الأسود. كما أن تقليد توزيع الخيرات وإطعام المساكين في هذه العشرة الحزينة.

 

مراسم العزاء في العاصمة البريطانية (لندن(

إن أول مجلس عزاء حسيني أقيم في بريطانيا كان في العام 1962 وذلك في (ريجنت موسك) القديم قبل أن يهدم ويبنى من جديد، وكان قبل ذلك قصراً لأحد اللوردات.. ولم تكن هنالك مراكز إسلامية أو حسينيات، وحتى المسلمون الشيعة كانوا أقلية، حيث كانوا ينضمون إلى بعضهم البعض لقلة العدد.

ويذكر أن أول من قرأ واقعة عاشوراء هو البريطاني عبد الله هوبت، ولهذا الرجل قصة: حيث كان كولونيلاً في الجيش البريطاني وعاش في العراق لمدة خمس سنوات، وفي أثناء إقامته هناك تعرف على مراسم العزاء الحسيني التي كانت تقام في المدن العراقية، ولاحظ أن كثيراً من المسلمين الشيعة يذهبون لزيارة المشاهد المقدسة في النجف وكربلاء والكاظمية مما آثار حب الاستطلاع لديه الأمر الذي دفعه لدراسة الإسلام، وانتهى إلى اعتناق الإسلام على المذهب الإمامي الاثني عشري وهو ما جعله محط اهتمامه فيما بعد، ولذلك عندما عاد على بريطانيا حرص أن تقام هذه المجالس وكان أول من قرأ رواية مصرع الحسين في العاصمة البريطانية.

واستمر الوضع كذلك إلى أن تأسست الإدارة الجعفرية عام 1969 على يد جمعية الشباب المسلم، تلاه المجمع الإسلامي الذي أسسه المرجع الكلبايكاني وكان مركزاً لتجمع الجالية الإيرانية..

وبسبب هجرة الكثير من أبناء الجاليات الإسلامية كالعراقيين والباكستانيين والهنود (الخوجة) والإيرانيين واللبنانيين في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات فأدى ذلك إلى تزايد أعدادهم الذي لم يعد ممكناً معه أن يضمهم مركز واحد. فقد أخذت كل جالية بإنشاء مركز خاص بها. وتوزع المهاجرين على معظم المدن البريطانية، فقد تزايد أعداد المراكز والحسينيات. ومن هذه المدن برمنغهام ومانشستر وليدز وليفربول وادنبرة وكلاسكون وكارديف وسوانزي وغيرها.

ولا تقتصر مجالس العزاء على المراكز أو الحسينيات، فهناك أيضاً المجالس التي يقيمها بعض الأفراد في بيوتهم خلال شهري محرم وصفر وفي المناسبات الدينية على امتداد السنة وذلك إحياءً للمناسبة، ويقتصر الأمر على عدد محدود من الأصدقاء والأقرباء لضيق المكان وهو عادة درج البعض على إقامتها في بلدانهم الأصلية واستمروا في إقامتها في بلدان المهجر.

وتقام في لندن سنوياً مسيرة حسينية في اليوم العاشر من المحرم وتنطلق من الهايد بارك وتنتهي بالمجمع الإسلامي ترفع خلالها الأعلام والرايات السود التي تعبر عن الحزن لهذه المناسبة إضافة إلى المراسيم الأخرى في الحسينيات والمراكز الحديثة.

 

مراسم العزاء في (إندونيسيا(

إن ذكرى استشهاد الحسين (عليه السلام) في شهر المحرم، له حرمة ممتازة لدى مسلمي إندونيسيا إلى اليوم بوجه عام. ويسمى شهر المحرم )سورا) وهذه الكلمة ربما تحرفت عن كلمة (عاشورا).
ويطلق على المأتم الحسيني في جزيرة سومطرا ذكرى (التابوت). وفي اليوم العاشر من المحرم يقام تمثيل رمزي لاستشهاد الحسين بن علي (ع). أما في جزيرة جاوا فلهذا اليوم تقدير خاص وعوائد خاصة.. إذ تطبخ الشوربا فقط على نوعين من اللونين الأحمر والأبيض ثم يجمع الأولاد وتقسم الشوربا عليهم. وهذا رمز للحزن العميق بجمع الأولاد الصغار والأطفال وذلك تصويراً لليتم والحزن. أما اللون الأحمر فهو رمز للدماء الطاهرة المراقة. اللون الأبيض رمز للخلاص والتضحية.

وإلى اليوم يعتبر شهر المحرم وصفر من كل سنة عند الكثير من الإندونيسيين شهرين محترمين لهما مكانتهما في القلوب فلا يقيمون فيهما أفراحاً ولا يعقدون زواجاً ولا يجرون زفافاً. فالمعتقد السائد أن من أقام أفراحاً في هذين الشهرين قد يصيبه نحس. أما في مقاطعة أجيه بسومطرا الشمالية فيسمى شهر المحرم شهر حسن وحسين.

 

مراسم العزاء في (البحرين)

لقد عرفت البحرين إقامة المجالس الحسينية منذ زمن عهده طويل، حيث كان البحرانيون يقيمون المآتم في بيوتهم ومساجدهم.

ويستخدم البحرانيون مصطلح (التحاريم) المتداول في الأوساط الشعبية. وهو مصطلح أطلقه أهل البحرين على ذكرى ولادة الأئمة من أهل البيت وكذلك على وفياتهم، حيث تتوقف الأعمال وتغلق الأسواق يومي التاسع والعاشر من شهر محرم من كل عام بمناسبة ذكرى عاشوراء، ويعتبران عطلة رسمية تعطل فيها دوائر ومؤسسات الدولة وكذلك دوائر القطاع الخاص والمتاجر.

وفي صبيحة اليوم العاشر من محرم، وهو يوم عاشوراء، تبدأ مواكب العزاء بمسيراتها في العاصمة المنامة وفي المدن والقرى الأخرى فتنطلق المواكب العزائية لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام). وترتبط بهذه الاحتفالات مصطلحات شعبية، فيدعى النائح الذي يتصدر مجموعات العزاء وينشد مرثية حزينة {بالشيال} . يقرأ القصيدة بمختلف الألحان الشجية والناس من حوله تلطم على الصدور بضربات قوية ومنتظمة وعلى شكل نسق واحد .

وقد تشكلت في البحرين لجان منبثقة من (المآتم الحسينية) التي من مهماتها إقامة الشعائر الحسينية بشكل منظم في شهري محرم وصفر وما يرتبط بهما من مناسبات في ذكرى وفيات المعصومين(ع)

وقد اشتهرت البحرين بشعراء المآتم الحسينية الذين ينشدون أشعارهم في المجالس الحسينية، ومن أشهرهم الشيخ حسن الدمستاني الذي اشتهرت قصيدته بـ(حرم الحجاج) المكونة من مائة وأربعين بيتاً ومطلعها:

أحرم الحجاج عن لذاتهم بعض الشهور وأنا المحـــــرم عن لذاتـــــــه كل الدهور

كيف لا يحرمُ دأباً ناحراً هدي الســـرور وأنا في مشعر الحزن على رزء الحسين

 

وتتكون مواكب العزاء الحسني من مجموعات كبيرة يتصدرهم حملة الأعلام والبيارق ثم راكبو الخيول وحاملو التوابيت والتماثيل المعتبرة التي ترمز إلى مأساة كربلاء، كما عرفت البحرين تمثيليات تقام يوم عاشوراء تعبر عن أجواء واقعة الطف بكربلاء وتهدف إلى تعريف المشاهدين بما جرى للإمام الحسين وآل بيته وصحبه من مآسي وآلام. غير أن كثيراً من هذه المراسيم أخذت بالاختفاء وحلت محلها شعائر وطقوس أخرى وعزاء هادف يربط الماضي بالحاضر.

وتوجد اليوم في البحرين حوالي ثلاثة آلاف وخمسمائة مأتم (حسينية) ومن أشهرها مأتم القصاب ومأتم مدن ومأتم بن زبر- ومأتم بن سلوم ومأتم الأحسائية ومأتم العجم . وهناك أيضا في باقي المدن البحرينية مآتم على نفس المستوى من الشهرة لايتسع المجال لذكرها.

بالإضافة إلى أن المعزين في البحرين لهم برنامج خاص في إحياء ذكرى عاشوراء هذا البرنامج اعتادوا عليه من مئآت السنين وهو في اليوم العاشر يتجمهرون المعزون من مختلف المناطق في العاصمة المنامة وفي اليوم الحادي عشر تتجمع المواكب في الديه وفي اليوم الثاني عشر في سترة وفي اليوم الثالث عشر في إسكان عالي . حيث تستمر المواكب العزائية من بداية حادي محرم حتى اليوم الثالث عشر منه .

ثم تنقطع المسيرات العزائية لكن القراءات في الحسينيات تبقى مستمرة حتى نهاية صفر وهذا الشكل من الإحياء قد لاتجده إلا عند شيعة البحرين والكويت والعراق وعند شيعة المنطقة الشرقية في القطيف والأحساء.

 

مراسم العزاء في (الباكستان(

تقام الاحتفالات في باكستان في شهر محرم في جميع المدن والقرى التي يتواجد فيها الشيعة، فإلى جانب المجالس الحسينية التي تقام في (الإمام برا) هناك مواكب العزاء التي تسير في شوارع المدن الرئيسية.
ومن أهم الطقوس التي تمارس في تلك الاحتفالات هو تقديس فرس الحسين المدعو (ذو الجناح) ذو السرج الثمين الزاهي بالألوان، حيث يضع الناس عليه مئات من باقات الورد والزهور بحيث تكون حملاً عالياً وكبيراً. وخلال مسيرة (ذو الجناح) في موكب العزاء يتهافت عليه الناس للتبرك به ومسح أيديهم عليه ثم مسح وجوههم بها.

ويصل تقديس (ذو الجناح) إلى درجة كبيرة حين يشارك في مواكب يوم عاشوراء ويوم الأربعين وكذلك في الاحتفالات بوفاة الإمام علي وفاطمة الزهراء (عليهما السلام)، فمن يتعرض للفرس أو يمسه بأي سوء أو أذى أو إهانة فإنه يتعرض للخطر من المحتفلين، وقد يصل الخطر أحياناً إلى حد القتل.

و(ذو الجناح) هو (وقف) من الأوقاف الإسلامية ولا يستخدم لأي غرض آخر سوى الاحتفال بذكرى الإمام الحسين (عليهم السلام) في شهر محرم.

ومثل الهنود يقوم الباكستانيون بإشعال النار في حفرة كبيرة ويأخذون بالسير على النار الموقدة وهم حفاة الأقدام لتصطلي أرجلهم بنارها، مواساة للإمام الحسين الذي استشهد في أرض كربلاء وبقيت جثته عارية تحت حرارة الشمس المحرقة.

ومن أكبر وأهم مواكب العزاء في باكستان هو موكب (الزناجيل) الذي يتكون من مجموعات عديدة، كل فرد منهم يحمل في يده مجموعة من السلاسل الصغيرة التي تنتهي بسكاكين حادة الجانبين، ويضرب حاملو السلاسل الحديدية على ظهورهم المكشوفة بقوة، وقد يستمر هذا الضرب لمدة ساعات حتى تتهرأ لحوم ظهورهم وتسيل منها الدماء.

وترفع في بداية المواكب أعلام عديدة وملونة، ومن أهم تلك الأعلام (راية العباس) وهو علم أخضر اللون يرفع عالياً في المواكب أو (الأمام برا( وقد كتب عليه ( يا عباس) وقد ذكر أحد الشهود أنه شاهد بنفسه (راية العباس) وهي مثبتة حتى في باب مكتب السيد بنازير بوتو رئيسة باكستان السابقة.

 

مراسم العزاء في (الهـند )

ويرجع الفضل في إرساء أوّل وجود عزاء منظّم للشيعة في بلاد الهند إلى الإسماعيليّين، وكان أوّل دعاتهم يُدعى ابن حَوشَب الذي سافر إلى بلاد السند سنة 270 هـ. وقد تمكّن الإسماعيليّون في بداية أمرهم من السيطرة على مدينة ملتان ، وكانوا في عصر العزيز حاكم مصر الفاطميّ ( 365 ـ 396 هـ ) يخطبون باسمه.

وذكر المقدسيّ في كتابه أحسن التقاسم أنّ غالبيّة سكّان هذه المدينة كانوا من العرب، وأنّ حكّامهم كانوا حكّاماً عادلين، وأنّ نساءهم ملتزمات برعاية الحجاب الإسلاميّ، فلم يكن المارّ في أسواقهم ليشاهد امرأة واحدة متبرجّة، وذكر أنّ أهالي مدينة ملتان كانوا من الشيعة، وأنّهم كانوا يؤذّنون بـ حيّ على خير العمل ، ويذكرون فقرات الإقامة لصلاتهم مَثْنى مَثْنى، وأنّهم كانوا يخطبون باسم الحاكم الفاطميّ، ولا يَصدُرون إلاّ عن أمره وحُكمه، وأنّ الحاكم الفاطميّ كان يعمل فيهم بالقسط والإنصاف


أحسن التقاسيم ج/62ص 706- 707

 

مراسم عاشوراء في مدينة بنجلور الهندية

يقوم الشيعة الهنود في مدينة بنجلور بإقامة مراسيم خاصة و إقامة مآتم العزاء الحسيني. يتركز اغلبية المآتم في منطقة (ريتشمان تاون) في وسط المدينة, و يفد إليها المعزون من مختلف المناطق الاخرى في المدينة. ويقوم خطباء المنبر الحسيني بسرد الاحاديث وروي قصة يوم كربلاء بلغة الأردو المحلية.

وبعد إنتهاء الخطبة يقوم المعزون بلطم الصدور وهم يستمعون إلى قصائد العزاء ، ويوجد عدد لا بأس به من الشيعة في مدينة بنجلور و تقوم منظمة "أنجمان الإمامية" بتنظيم مراسم عاشوراء.

هذا و في ليلة العاشر يقوم الشيعة نساءا ورجالا بإشعال الشموع ومن ثم الدخول والخروج من حسينيةإلى أخرى و التبرك بلمس بعض المجسمات التي تمثل الضريح المقدس أو الأيدي و ما غير ذلك .......
و من الفعاليات أيضا المشي على الجمر حفاة الأقدام حيث يقوم الشيعة الهنود بحفر حفرة كبيرة وملئها بالجمر ثم يقوم الواحد تلو الآخر بالمشي عليه تبركا و تشبها بيوم عاشوراء حيث كانت صحراء كربلاء القائضة كالجمر..... و في يوم العاشر يقوم المعزون بشج الرؤوس و إدماء الصدور وهم يصرخون "مظلوم حسين" حيث لا يزال التطبير أو عزاء الحيدر يمارس بكثرة حزنا و رثائا للإمام الحسين (ع) و تخصص "أنجمان الإمامية" سيارتي إسعاف لمعالجة المعزين الذين يرهقون من حرارة الشمس و فقدان الدم.......

وفي ليلة العاشر و يوم العاشر يقوم الشيعة بتوزيع المياه في الشوارع وإقامة مأدبات الغداء الحسيني حيث يوزع الطعام بعد الفراغ من الخطبة على المعزين.

 

مراسم العزاء في أفغانستان

مزار الشريف تتشرف من جديد بإقامة مراسم العزاء الحسيني شهدت مدينة مزار الشريف شمال أفغانستان في اليوم العاشر من المحرم مراسم عزاء حسينية كبرى، أقيمت في الكثير من المساجد والأماكن المقدسة في المدينة، وذلك تعبيراً عن حزنهم ومواساتهم بذكرى استشهاد الإمام الحسين والنخبة المؤمنة المجاهدة معه في واقعة طف كربلاء. وقد سارت في شوارع المدينة مواكب ومسيرات العزاء الحاشدة التي ضمت الآلاف من شيعة آل بيت النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) ومحبي الحسين الشهيد. فيما قرعت الطبول ورددت الشعارات المعبرة عن الولاء والنصرة الدائمة لنهج الحسين وخطه الثوري. وينتمي معظم المشاركون في هذه المراسم إلى أقلية الهزارة الشيعية التي تعيش في شمال أفغانستان وغربها. وفيما كانت دمائهم تسيل من ظهور ورؤوس المعزين، كانت أصواتهم الهادرة ولسان حالهم مقترنا بصيحات (أفديك يا حسين بحياتي). وفي يوم المناسبة العاشورائية هذه تحدث الملا حاجي إبراهيم لوكالة أبناء رويترز البريطانية قائلاً: (آمل أن تكون بلادنا حرة الآن، فقد منعت سلطات طالبان مراسم العزاء الخاصة باستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) ولكن يحدوني الآن أمل في أننا سنحيي هذه الذكرى إلى الأبد). ومن مكبرات

الصوت انسابت المراثي والأشعار الحسينية، بعد ما كانت زمرة طالبان الطائفية الإرهابية، قد منعت وحرمت محبي أهل بيت الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) من إقامة مثل هذه المآتم الحسينية منذ 7 سنوات.

 

مراسم العزاء الحسيني في تركية http://www.najaf.org/arabic/book/23/blank.gif

وفي الصقع التركي الذي كان يحكمه العثمانيون الى ختام الحرب العالمية الأولى ، ثم الحكومة الجمهورية التركية العلمانية الحالية ، فأينما وجد أفراد من الشيعة وجدت معهم هذه المآتم والنياحات والمواكب الحسينية على الامام الحسين وآله وصحبه ، وان كانت على صورة مصغرة وفي البيوت . لكنك تجد في تلك الأحياء أعلام الحداد ترفرف على أسطح البيوت وفي الأزفة والطرقات ..

وقد نقل لي بعض زوار العتبات المقدسة في العراق من الأتراك ، من سكان القسم الشرقي من الأناضول ، عند مرورهم عبر طهران الى العراق لأداء مراسم زيارة مشاهد الأئمة عليهم السلام في كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء ، وهم في الغالب من المزارعين في تلك المناطق التركية النائية المحاذية لآذربيجان الايرانية ، نقلوا بأنهم يقيمون المآتم والنياحات على الامام الشهيد في بعض أيام الأسبوع طيلة السنة وبدون انقطاع ، في الدور وفي مجالس خاصة يشترك فيها من يكون حاضراً ، ويلقي فيها خطيب المنبر الحسيني ما يناسب المقام والمجلس ، من مآثر الامام الحسين عليه السلام وسائر الأئمة الاثني عشر ، ويختم كلامه ببيان نبذة عن مجزرة كربلاء واستشهاد آل بيت النبي فيها ثم بعد ذلك نقف برهة من الوقت ونحن في المجلس ونلطم على صدورنا ونردد الشعارات الحسينية بشكل جماعي . أما في العشرة الأولى من محرم ، ولا سيما في يومي تاسوعاء وعاشوراء ، وفي يوم العشرين من شهر صفر الأربعين ولياليها ، فتقام المناحات بتفصيل في مختلف الأماكن والقرى هناك ، ويتلى المقتل ويشترك الرجال والنساء والشيوخ والشباب وغيرهم بإحياء هذه الذكريات الحزينة ، وحتى أن كثيراً من أبناء السنة يشتركون مع الشيعة في هذه المراسيم والشعارات الحزينة وفي المواكب العزائية وتصبح أجوائنا الشيعية في تركيا يخيم عليها الحزن طوال فترة محرم وصفر وحالنا كحال إخواننا الشيعة المعزين في كل مكان .

 

مراسم العزاء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية

المواكب العزائية في إيران كانت قائمة وقوية منذ أيام الدولة الصفويية حتى الحكم البهلوي البائد بحكم أن الشعب الإيراني غالبيته العظمى يدين إلى مذهب أهل البيت(ع)

لو ألقينا نظرة تأريخية سريعة على المواكب العزائية في إيران نرى بأن لها تأريخ ولها حاضر عريق ، من الملاحظ تاريخيا أنه بعد استشهاد الامام علي بن موسى الرضا(ع) في طوس تبلورت حركة إقامة المناحات وحفلات العزاء على الامام الشهيد في إيران ، وتطورت بتطور سياسة الحكومات التي كانت تتولى السلطة في أنحاء إيران ومناطقها المختلفة بين القوة والضعف . فكانت هذه الحركة تسير سيرها المدي في بعض الاصقاع التي كانت تحكمها السلطة الموالية لآل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كالامراء البويهيين ، وتسير سيرها الجزري في الأقاليم الأخرى التي تتولى السلطة فيها حكومة تعادي العلويين وتناهضهم ، وقد استمرت هذه الحالة الى أن استولى على الحكم في إيران الملوك الصفويون ، الذين استطاعوا أن ينشئوا في إيران حكومة مركزية تسيطر على جميع الأقاليم الايرانية ، وأن يوجدوا في هذه البلاد وحدة متماسكة تحكمها حكومة مركزية قوية واحدة ، هي الدولة الصفوية .

وقد اهتم ملوك هذه الدولة الشيعية اهتماماً عظيماً بالعزاء الحسيني ومأتمه في داخل البيوت وخارجها ، وفي المساجد ، والتكايا ، والمعابد ، والأسواق ، والشوارع ، والساحات العامة ، وحتى في البلاط ودوائر الدولة ، كما تنوعت وتشعبت اساليب هذه المناحات وعمت جميع طبقات الشعب ، وأصبحت تقاليد متأصلة في النفوس ، كما أن الحكومات التي خلفت الدولة الصفوية في إيران كالأفشارية والزندية سارت على نفس نهج تلك الدولة ، في إحياء هذه الذكرى الحزينة ، وإقامة شعائرها ومتابعة تقاليدها . وخاصة على عهد الملوك القاجاريين وحتى الوقت الحاضر .

ولكن تعززت هذه الشعائر أكثر فأكثر وتطورت في ظل الجمهورية الإسلامية تحت أجواء الحرية وسقف الدولة الشيعية بقيادة المراجع العظام حيث أصبح المعزون في ممارسة طقوسهم لإحياء الشعائر ينعمون بالأمن والأمان والإستقرار لذلك ظهرت في إيران الإبداعات والإستحداثات بشكل إبداعي وفني ، هذا مالمسناه من خلال متابعتنا لسير المواكب المنظمة والكبيرة على مستوى حجم اتساع المدن الإيرانية وحجم تعداد السكان وظهرت هذه الفنون لإحياء الشعائر العزائية على مستوى عالمي.

وفي تاسوعاء وعاشوراء وألأربعين في يوم العشرين من صفر في كل عام تتدفق حشود المعزين الإيرانيين وتقدر بالملايين من مختلف مناطق إيران على إحياء مراسم العزاء بقرب العتبات المقدسة الشريفة في مشهد وقم فتخرج المواكب من هناك موحدة وكل الزائرين الإيرانيين يشتركون في المسيرات العزائية ويخلقون جوا عاطفيا ليس له مثيل بالبكاء والجزع والعويل لمدة ثلاثة أيام ثم يعودون لمناطقهم وقراهم .

أيضا في ظل هذه الدولة الإسلامية الشيعية المباركة حفظها الله من كل سوء ومكروه تقيم بعض وزارات الدولة كوزارة الدفاع وقوى الأمن والشرطة والتربية والتعليم بالإضافة إلى مؤسسة الحرس الثوري والبسيج مهرجانات واحتفالات إحتفاء بذكرى عاشوراء أيضا هذه المؤسسات والوزارت تنظم مواكب عزائية كبيرة في العاصمة طهران كموكب الحرس الثوري وموكب الجيش وموكب البسيج وموكب طلبة جامعة طهران وما إلى ذلك من المواكب كل ذلك تعظيما وتخليدا للشعائر الحسينية التي أمروندب الأئمة الأطهار(ع) بإحيائها..

 

مراسم العزاء الحسيني في لبنان

جاء في الصفحة 149 من كتاب حفظ جبل عامل للعلامة المرحوم السيد محسن الأمين ما عبارته :

حسينيات جبل عامل ـ جمع حسينية ـ وهي : بمثابة تكية منسوبة الى الامام الحسين السبط الشهيد ، لأنها تبنى لإقامة عزائه فيها . وأصل الحسينيات من الايرانيين والهنود ، بنوها في بلادهم ، وبنوها في العراق ايضاً ، ووقفوا لها الأوقاف ، وجعلوا لكل منها ناظراً وقواماً . وهي : عبارة عن دار ذات حجر وصحن فيها منبر يأوي اليها الغريب ، وتقام فيها الجماعة ، وينزلها الفقراء ، ويقام فيها عزاء سيد الشهداء في كل أسبوع في يوم مخصوص وفي عشرة المحرم ، وتختلف حالتها في الكبر والصغر ، والاتقان وكثرة الريع ، باختلاف أحوال منشئيها . وهذه لم تكن معروفة قبل عصرنا في جبل عامل ... الخ .

ويستطرد السيد فيقول :

وأول حسينية أنشئت في جبل عامل ، هي حسينية النباطية التحتا ثم أنشئت عدة حسينيات في صور ، والنبطاية الفوقا ، وكفر رمان ، وبنت جبيل ، وحاروف ، والخيام ، والطيبة ، وكفر صبر ، وغيرها .. .الخ

وتجمع الشيعة في جبل عامل وقراه ساعد كثيراً بمرور الأيام على انتشار مجالس العزاء الحسيني وإقامة النياحات فيها ، إحياء هذه الذكرى المؤلمة على طول السنة ، وخاصة في شهري محرم وصفر ، وبالأخص العشرة الأولى من المحرم .

وفي سنة 1393 هـ ـ 1973 م ، قررت الحكومة اللبنانية جعل يوم عاشوراء ـ اي العاشر من محرم كل سنة ـ عطله رسمية في جميع أنحاء لبنان ، تعطل فيها جميع الدوائر الرسمية ، والمؤسسات الأهلية ، والأسواق والأعمال . وهذه هي المرة الأولى في تاريخ لبنان تقدم فيه حكومة لبنان على جعل يوم عاشوراء الحسين يوم عطلة رسمية .. كما أفادت الأنباء أن سكان مدينة ( النبطية ) في لبنان التي يقيم الشيعة بصورة خاصة في محرم كل سنة فيها ذكرى مهيبة لمصرع الامام الحسين(ع) ولعزائه المقدس .

ومنذ نهاية 1989م وبداية 1990م بدأت حركة المواكب العزائية في مختلف المدن والقرى اللبنانية الشيعية تتطور وتتطور فبدل أن يخرجوا من مدنهم ومناطقهم أخذوا يقيمون مراسم العزاء فيها فتوسعت دائرة المواكب، في مدينة صور وقرى الجنوب ، والنبطية ، وبيروت ، وأما في الضاحية الجنوبية فحدث ولا حرج، فيوم العاشر من المحرم فيها له لون آخر، حيث يسير في شوارعها موكب مهيب تعداده أكثر من مئتين وخمسين ألف نسمة يلطمون الصدور تارة ويلطمون الخدود أخرى ويضربون الرؤوس ثالثة وبشكل متناسق ويصرخون بشعارات أبيّ‏ِ الضيم‏ عليه السلام "هيهات منا الذلة" و"يا حسين" تلك الصرخة التي أشاد بها إمامنا الصادق ‏عليه السلام بقوله "اللهم ارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي حزنت واحترقت لنا، وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا...". ولا يخفى ما لهذه المواكب من تأثير سحري في تقوية عقيدة الناس، إذ إن الأهازيج الحزينة المترافقة مع لدمات الصدور المشوبة بالأسى لا شك أنها تكهرب الشعور الإنساني بشحنات عاصفة من الولاء مما يحول الجو إلى انفجار عاطفي مشحون بالبكاء، والذكريات والخواطر ويرددون نداء مولاهم الحسين(ع) في يوم العاشر {هل من ناصر ينصرنا ، ولبيك ياحسين}.

وهكذا الحال في بعلبك وسائر المدن اللبنانية الأخرى وبالتالي أصبحت لبنان في شهري محرم وصفر وباقي المناسبات الحزينة للمعصومين(ع) حافلة بالأحزان والسواد والحداد. فحفظ الله لبنان وأهله من كل سوء ..

 

وهكذا يستمرعشاق الحسين(ع) في باقي بلدان العالم يقيمون المآتم ومراسم العزاء العاشورائيً في كل من روسيا والاردن والسـويد وبريطانيا وامريكا وماليزيـا وبلغاريا و تركمانستان و آذربيجان و الصين و اليابان والفلبين و فرنسا وطاجيكستان واليونان والبلجيكا و الدنمارك و ماليزيا و ساحل العاج و تنزانيا وألمانيا وعدد آخر من دول العالم. وهذه المواكب المقدسة نراها في كل عام تزداد وتتضاعف أعداد المعزين بكثافة والكل يتشرف ويكتب على ملابسه السوداء ياحسين ياشهيد يامظلوم ، والكل يلطم على رأسه وصدره ويهتف {لبيك ياحسين ويردد هذا الشعار المقدس أبد والله لاننسى حسينا .

أما شعار الرفض والتحدي والصمود الذي تردده الحناجر الولائية في المواكب العزائية الحسينية باستمرار وفي كل عام هو هذا البيت الرثائي الذي لايفارق الذاكرة أبدا :

لو قـطعـوا أرجلنا واليدين نأتيك زحفـا سيدي ياحسين