الصفحة الرئيسية

فهرس الكتاب

 

 

الحلقة السادسة

أضواء على خطاب الإمام السجاد(ع)

 

ليس في تأريخ الأمم كلها من عرب أوعجم يضاهي الإمام علي ابن الحسين السجاد(ع) في عبادته وورعه وقوة إيمانه وصلابة موقفه وتجلده وصبره وقد انكشفت للجميع شخصيته الرسالية الثورية العملاقة العظيمة عندما وقف ذلك الموقف المشهود أمام الطاغية المجرم يزيد في الشام وكان يومذاك يمثل المعارضة للحكم الأموي الذي قام على جماجم ودماء المظلومين من الناس .

فالإمام زين العابدين(ع) في معارضته  لزم الموقع السليم لردع القوى الغاشمة التي ذلت رقاب العباد عبر الإستئثار والإنفراد الوراثي لصولجان الحكم والهيمنة على مقدرات وحرمات المسلمين..

 

ماهي الإنتصارات المشهودة والمشهورة التي أحرزها الإمام زين العابدين(ع) وهو أسير أمام طاغية الشام؟؟

 

المحللون لخطاب الإمام عليه السلام في مجلس الطاغية يزيد يذكرون بأنه حقق في ذلك اليوم انتصارات عديدة من أهمها وأبرزها:

 

الأول: تعرية التضليل وفضح النظام الأموي.

 

من الملاحظ في الروايات التأريخية أن يزيد بن معاوية عندما قتل سيد الشهداء لم يكن في حساباته ردة الفعل المباشرة لجريمته النكراء فاستهان بالقدرات الإيمانية والعقلية والعلمية لمجموعة من الأسارى سوف يخلفهم ورائه الحسين(ع) وهؤلاء من أي أهل بيت ينحدرون هذا من جانب ومن جانب آخر لم يكن يحسب ما مدى مقدار عاطفة الأمة ومودتهم لأهل بيت نبيهم التي فرضها الله في كتابه وقال:

(قل لاأسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى). (1)

فهل من المعقول أن تنطلي على جماهير الأمة الموحدة تدليسات السلطة ألأموية بمقولة أن المقتولين في طف كربلاء خوارج؟؟

لذلك استغل الإمام السجاد نقطة ضعف يزيد وعدم حنكته السياسية  وعراه تعرية كاملة وكشف للناس بهم التضليل وفضح الطاغية في مجلسه وأمام قواده وجلاوزته وأمام جماهير الأمة والرأي العام .

من هذا المنطلق انظروا وتأملوا ماذا كان جواب الإمام السجادعليه السلام عندما عنفه الطاغية يزيد وأراد بذلك إذلاله وأمر الخطيب أن يكثر الشتيمة في أبيه الحسين(ع) قال: لذلك الخطيب : (لقد اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق ،فتبوأ مقعدك من النار) ثم التفت إلى يزيد وقال(ع): أتأذن لي أن أرقى هذه الأعواد فأتكلم بكلام فيه لله تعالى رضا ولهؤلاء أجر وثواب فأبى يزيد وألح الناس عليه فلم يقبل فقال ابنه معاوية ، ائذن له ، ما قدر أن يأتي به ؟ وهنا اعترف يزيد بنفسه وبانت هزيمته أمام إبنه وأمام الناس وقال: (إن هؤلاء من أهل بيت ورثوا العلم والفصاحة وزقوا العلم زقا ، ومازالوا به حتى أذن له.. (2)

وهذا الموقف البطولي يسجله التأريخ من جملة الإنتصارات الراقية للإمام زين العابدين عليه السلام ..

فمن الطبيعي أن يركز في ذلك اليوم التأريخي الإمام السجاد(ع) على تعرية الحاكم الجائر وفضحه أمام الناس ويعرفهم بحسبه ونسبه ويؤجج العواطف نحو مأساة كربلاء ومظلومية أبيه الحسين وأهل البيت عليهم السلام.

 

إن من جملة النقاط المهمة التي ركز عليها الإمام(ع) في خطابه:

أ- أهل البيت(ع) والتعريف بهم وبموقفهم وموقعيتهم من رسول الله(ص) والتعريف بالإمام الحسين(ع) خاصة لكي يفسد ويبطل ادعاء الأمويين الذين أهرقوا دمه وقالوا بأنه خارجي ..

ب- نسف الأساس الفكري الذي كان يزيد يحاول تبعا لأبيه تثبيت ملكه عليه بالفرض ومنطق الغلبة الظاهرية .

ج- التعريف والتشهير بآل أبي سفيان وتجريدهم من الصفات الإنسانية وبالأخص شخصية يزيد المنتكسة المهزوزة ..

 

والمتتبع لأحداث واقعة الطف الدامية ومأساة سبايا آل محمد(ص) يرى بأن هذه التعرية لفضح السلطة الظالمة التي قومها الإمام في خطابه هزت أركان يزيد وجعلته ليس له من وسيلة أخرى إلا مواصلة مسيرة القمع والإرهاب وقطع الخطبة على الإمام زين العابدين(ع) وهذا مما يدلل على أن القمع وسيلة العاجزين..

 

فمقياس الإنتصار والغلبة في نظر الإمام السجاد عليه السلام ليس في القاتل المتبختر المغرور وإنما مقياس الغلبة في المقتول الضحية لأنه مظلوم .

وذكر المؤرّخون أنّه لمّا قدم عليّ بن الحسين(عليه السلام) وقد قُتل الحسين بن علىّ(عليه السلام) استقبله ابراهيم بن طلحة بن عبيد الله وقال: يا عليّ بن الحسين، من غلب؟ وهو مغطٍّ رأسه وهو في المحمل، فقال له عليّ بن الحسين: إذا أردت أن تعلم من غلب ودخل وقت الصلاة فأذّن ثمّ أقم(3).

لقد كان جواب عليّ بن الحسين(عليه السلام) أنّ الصراع إنّما هو على الأذان وتكبير الله تعالى والإقرار بوحدانيّته وليس على رئاسة بني هاشم، وأنّ استشهاد الحسين والصفوة من أهل بيته وأصحابه هو سبب بقاء الإسلام المحمّدي وثباته أمام جاهلية بني اُميّة ومن حذا حذوهم ممّن لم يذوقوا حلاوة الإيمان والإسلام.

 

هذه المواقف البطولية ونظيراتها جعلت إلإمام يقف في واحة المنتصرين لأنه صاحب حق وقضية ومظلومية وكان لصدى خطبته وكلامه وقع مؤثرفي نفوس الجماهير في الكوفة والشام ولولا وقوف الإمام السجاد(ع) وعمته بطلة الطف زينب(ع) وتضحيات عقائل الرسالة وحرائر الرسول(ص) لبقيت حادثة الطف وثورة الإمام الحسين(ع) مجرد حدث في الصحراء تحاصره السلطات الغاشمة وتضلل الناس على غرار مانرى  من تضليل في كل عصر ومصر.. (4)

 

الثاني: الإمام السجاد فرض نفسه بهيبته وقوة شخصيته.

 

أقول: باأحرار العالم تأملوا في شخصية الإمام علي بن الحسين(ع) كيف كانت يوم أدخلوه مع الأسارى والمسبيات من أهل بيته على الديكتاتور يزيد بن معاوية ستلاحظون إن تلك الشخصية القوية الشريفة برغم جهد المرض ومعاناة الأسر والإهانات النفسية التي تعرضوا لها أهل البيت من المجتمع الشامي إلا أن تلك الشخصية العملاقة قد فرضت نفسها وألجمت منطق الإرهاب والقوة وأجبرت يزيد بن معاوية بالإكراه على أن يوافق على خطاب الإمام(ع) في تلك اللحظات الحرجة التي كانت فيها المشاعر ملتهبة وهذه بحد ذاتها نقطة انتصار كبيرة تسجل للإمام السجاد عليه أزكى السلام على أعدائه الظالمين.

ومن جملة الإنتصارات الباهرة التي أحرزها الإمام السجاد(ع) أنه عقد مجلس تعزية على أبيه الإمام سيدالشهداء(ع) في مجلس يزيد مما أجهش الناس كلهم بالبكاء والعويل وكادت أن تقوم القيامة على يزيد في ذلك اليوم لولا أنه تدارك اللعين الموقف وأمر بقطع خطاب الإمام عليه السلام .

الرواية تقول: فأوعز يزيد إلى المؤذّن أن يؤذّن ليقطع على الإمام كلامه، فصاح المؤذن «الله أكبر» فالتفت إليه الامام فقال له: «كبّرت كبيراً لا يقاس، ولا يدرك بالحواس، لا شيء أكبر من الله»، فلمّا قال المؤذّن: أشهد أن لا إله إلاّ الله قال الإمام(عليه السلام): «شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي ومخي وعظمي»، ولمّا قال المؤذّن: أشهد أنّ محمداً رسول الله التفت الإمام إلى يزيد فقال له: «يا يزيد! محمّد هذا جدّي أم جدّك؟ فإن زعمت أنـّه جدّك فقد كذبت، وإن قلت: أنـّه جدّي فلمَ قتلت عترته»؟!(5)

أيضا قوة شخصية الإمام السجاد(ع) وهيبته المحمدية الهاشمية أجبرت يزيد كذلك على أن يشعر بالفضيحة والعار أمام نفسه وأمام الناس والتأريخ مما أخذ يبرر ويدفع عن نفسه شبح جريمة قتل العترة الطاهرة  ويلصقها في ابن مرجانه القبيح اللئيم المجرم عبيد الله ابن زياد حيث لم يلتفت الطاغية يزيد إلى خطورة نزعته الإجرامية  إلاّ بعد أن تدفّقت عليه التقارير التي تتحدّث عن ردود الفعل والاحتجاجات على قتله ريحانة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولذلك حاول أن يلقي مسؤولية الجريمة البشعة على ابن مرجانة، قائلاً للإمام السجاد(عليه السلام): لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أنّي صاحب أبيك ما سألني خصلة أبداً إلاّ أعطيته إيّاها، ولدفعت الحتف عنه بكلّ ما استطعت، ولكن الله قضى ما رأيت كاتبني من المدينة وأنْهِ كلًّ حاجة تكون لك(6).

 

الثالث: تدخل المعجزة الربانية لنجاة الإمام(ع) وحمايته من القتل.

 

الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام تعرض لثلاث محاولات اغتيال بعد واقعة الطف ولكن هذه المحاولات الهادفة لقتله(ع) باءت بالفشل لأن قدرة الخالق فوق قدرة المخلوقين . حيث من الملاحظ أن الله تعالى قد سبب أسبابا لإنقاذ الإمام وحمايته من القتل والإغتيال..

 

المحاولة الأولى : في كربلاء بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام زحف الشمر اللعين ومن معه على الخيمة التي فيها الأطفال والإمام كان مريضا مسجى على نطع فجاء الشمر وركل الإمام برجله وسل سيفه يريد قتله فكان سبب ممانعة قتله أحد الجنود قد تعاطف معه وذب الله في قلبه الرحمة على الإمام السجاد(ع) وهناك تدخلت العناية الربانية.

ورد في الطبقات: ان الشمر جاء إلى علي بن الحسين (عليه السلام) بعد شهادة أبيه الحسين (عليه السلام) وكان مريضاً، فقال لمن حوله اقتلوه، فقال رجل من حوله، سبحان الله أنقتل الفتى وهو مريض ولم يسهم بقتال؟ !. (7)

وذكر مؤلف تذكرة الخواص وقال: ولم يقتلوا علي بن الحسين (عليه السلام) لانّه كان مريضاً.. (8)

 

المحاولة الثانية: تعرض الإمام السجاد(ع) لمحاولة اغتيال في مجلس ابن زياد في الكوفة وقد فشلت بعون الله تعالى تلك المحاولة.

ورد في كتب المقاتل أنه لما دارت المحاججة بين عبيدالله بن زياد  والإمام السجاد عليه السلام  وقد صرعه الإمام بالحجة الدامغة  وقد  دارت الأرض بابن مرجانة ولم يعرف ما يقول، وغاظه أن يتكلّم هذا الغلام الأسير بقوّة الحجّة، والاستشهاد بالقرآن الكريم، فرفع عقيرته قائلاً:

وبك جرأة على ردّ جوابي!! وفيك بقية للردّ عليَّ..).

الرواية تقول: فالتفت ابن زياد إلى بعض جلاديه فقال له:

خذ هذا الغلام واضرب عنقه.

وطاشت أحلام العقيلة وانبرت بشجاعة لا يرهبها سلطان، فاحتضنت ابن أخيها،وقالت لابن مرجانة:

(حسبك يَا بْنَ زِيَادٍ مَا سَفَكْتَ مِن دِمَائِنَا، إِنَّكَ لَمْ تُبْقِ مِنّا أَحَداً، فَإنْ كُنْتَ عَزَمْتَ عَلى قَتْلِهِ فَاقْتُلْني مَعَهُ..).

وبهر الطاغية وانخذل، وقال متعجّباً:

دعوه لها، عجباً للرحم ودَّت أن تقتل معه.

ولولا موقف العقيلة لذهبت البقية من نسل أخيها التي هي مصدر الخير والفضيلة في دنيا العرب والإسلام.

لقد أنقذ الله زين العابدين من القتل المحتم ببركة العقيلة زينب(ع) فهي التي بقدرة الله تعالى أنقذته من هذا الطاغية الجبار(9).

 

فالإمام السجاد(ع) كان ينطق عن الله تعالى ويستشهد في حديثه بمنطق القرآن الكريم وهو منطق الإعجاز لذلك كان بسهولة يتغلب على الجبابرة والطغاة ويغيضهم ويذلهم في عقر دارهم لأنه يعلم علم اليقين بأنه مدعوم من القوة الملكوتية الغيبية وهذا مما يثير في الطغاة الحماقة  وتذكار سوءة الجريمة الحمقاء التي ارتكبوها وهذا الأسلوب الحكيم من الإمام(ع) في الإثارة لم يكن اعتباطا أومجازفة وإنما كان يدخل ضمن المخطط الإلهي لبقاء الإمامة وكانت البطلة زينب عليها السلام بقوة وصلابة ورباطة جأش تدافع عن مقام الإمام المعصوم والإمامة ضمن المشيئة الإلهية لكي لاتخلوا الأرض من حجة ..

ويستطيع الباحث المدقّق أن يقول: إنّ الله تعالى لأنه أراد للأئمة أن يكونوا حججاً على الناس كافّة فقد جمع في أعراقهم أنساب الأمم الأساسية على الأرض وليس في مقدور أي مخلوق أن يتحدى الإرادة الإلهية.

 

المحاولة الثالثة: نجاة الإمام السجاد(ع) من القتل في الشام.

 

السؤال: الذي يفرض نفسه في هذا البحث  لماذا يزبد بن معاوية لم يقنل الإمام علي بن الحسين عليه السلام وهو أسير بين يديه في مجلسه؟؟

 

إن يزيد لم يتورع في قتل الذين عارضوه وأدانوه على جريمته النكراء كل اولئك أمر بقطع أعناقهم ألا تسأل لماذا استثني الإمام السجاد من بينهم ولم يقتله في ذلك اليوم بالرغم أن الإمام(ع) استثاره في أكثر من موضع في خطبته البليغة فمن جملة ماورد في الخطاب:

أنه لما أذن المؤذن ليقطع على الإمام كلامة بعد شهادة التوحيد لاإله إلا الله قال المؤذن أشهد أمحمدا رسول الله فالتفت الإمام(ع) إلى يزيد قائلا:

 

يا يزيد! ومحمد هذا جدي أم جدّك ؟ فإن زعمت أنه جدّك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنه جدّي فِلمَ قتلت عترته ؟ ! ! )(10).

هذه اللهجة والحجة الدامغة قد أغاضت الطاغية وأغضبته فكاد أن يأخذ الأمام غيلة يضرب عنقه لكن من حضر المجلس يقول:

رأينا يزيد بن معاوية قد هدأ وتراجع ولم يمس زين العابدين بأذى يذكر إلا أنه أخرجه من مجلسه وأمر أن يرحلوا من الشام .. 

 

الرابع: خطاب الإمام السجاد(ع) كان له تأثير قوي في إشعال فتيل الثورات المتتابعة ضد الحكم الأموي الجائر.

 

لقد كانت أغلب خطابات الإمام زين العابدين عليه السلام سوى التي ألقاها في الكوفة أوفي الشام أو في المدينة كلها تهدف إلى توعية الجماهير وإلفاتهم للظلم الذي جرى على الأمة من قبل الأمويين الحاقدين على الإسلام فلذلك قام بتفجير ثورة عاطفية في مجلس الطاغية يزيد من خلال تعريف نفسه للجماهير المحتشدة ماذا قال عليه السلام:

(أنا ابن المرمل بالدماء ، انا ابن ذبيح كربلا ، انا ابن من بكى عليه الجن في الظلماء وناحت الطير في الهواء) .

يكفي أن هذا المقطع من الخطبة السجادية  أثر في نفوس الجماهير تأثيرابالغا مما أحدث هزة تغييرية في العالم الإسلامي بأسره  وأحدث صحوة في ضمائر الأمة وتوالت بعد ذلك الثورات تطالب بثأر الإمام الحسين(ع) وضد الحاكمية اليزيدية الأموية لأن دم الحسين(ع) أطهر دم على وجه البسيطة..

والثورات التي اندلعت يومذاك كثيرة منها ثورة المدينة وثورة التوابين وثورة المختار وغيرها من الثورات المتتالية لايسمح لي المقام الآن لتعداد تفاصيلها فراجعها إن أحببت في كتب السيرة والتأريخ..

ألا نعتبر هذا مكسبا وإنجازا ضخما أنجزه الإمام السجاد(ع) خلال الفترة التي قضاها في الأسر بعد استشهاد أحبته الكربلائيين الثائرين..

بلى إن للخطاب السجادي فاعلية وهدفية كبرى لإظهار الحقيقة في الصراع السياسي والعسكري الذي دار بين الحق والباطل وفي تشخيص من الضحية ومن الجلاد  ومن هو الظالم ومن المظلوم وهذا هو الإنتصار المعنوي الحقيقي..

 

سبايا آل محمد(ص) في الخربة

 

تؤكد الروايات أن يزيدا لم يرى مناصاً إلاّ أن أخرج حرائر الرسالة من المجلس إلى خربة لا تكنّهم من حرٍّ ولا برد ، فأقاموا فيها ينوحون على الحسين (عليه السّلام( ثلاثة أيّام . (11)

وقال السيد في اللهوف : أمر يزيد بن معاوية بهم ـ أي سبايا الحسين عليه السلام الى منزل لا يكنهم من الحر ولا يقيهم من برد , فأقاموا به حتى تقشرت وجوههم وكان مدة إقامتهم في البلد المشار إليه ـ أي الشام ـ ينوحون على الحسين عليه السلام.(12)

.وقال الصدوق في أماليه: ثم إن يزيد لعنه الله أمر بنساء الحسين عليه السلام فحبسن مع علي بن الحسين عليه السلام في محبس لا يكنهم من حر ولا قر , حتى تقشرت وجوههم.. (13)

 

الطفلة رقية تموت في الخربة

 

قال في المنتخب كما نقله الحائري في معاليه: كانت للحسين (عليه السلام) بنت صغيرة يحبها وتحبه، وقيل كانت تسمى رقية، وكان لها من العمر ثلاث سنين، وكانت مع الأسرى في الشام، تبكي لفراق أبيها ليلها ونهارها وكانوا يقولون لها هو في السفر، فرأته ذات ليلة في عالم الرؤيا، فلما انتبهت جزعت جزعاً شديداً وقالت: ائتوني بوالدي وقرة عيني، وكلما أراد أهل البيت إسكاتها ازدادت جزعاً وبكاءً، ولبكائها هاج حزن أهل البيت فأخذوا في البكاء، ولطموا الخدود، وحثوا على رؤوسهم التراب، ونشروا الشعور واعتلى الصياح .

فسمع يزيد صياحهم وبكائهم فقال: ما الخبر؟ قيل له: إن بنت الحسين الصغيرة رأت أباها في نومها فانتبهت وهي تطلبه وتبكي، فلما سمع اللعين ذلك قال: ارفعوا إليها رأس أبيها وضعوه بين يديها تتسلى به، فأتوا بالرأس في طبق مغطى بمنديل، فوضعوه بين يديها فرفعت المنديل وضمت الرأس إلى صدرها وهي تقول: يا أبتاه من ذا الذي خضبك بدمائك . يا أبتاه من ذا الذي قطع وريدك، يا أبتاه من ذا الذي أيتمني على صغر سني، يا أبتاه من لليتمية حتى تكبر، يا أبتاه من للنساء الحاسرات، من للأرامل المسبيات، يا أبتاه من للعيون الباكيات، يا أبتاه من للضائعات الغريبات، يا أبتاه من لي بعدك، واخيبتاه من بعدك، وا غربتاه، يا أبتاه ليتني لك الفداء، يا أبتاه ليتني كنت قبل هذا اليوم عمياء، يا أبتاه ليتني توسدت التراب ولا أرى شيبك مخضباً بالدماء .

ثم وضعت فمها على فم الشهيد المظلوم وبكت حتى غشي عليها .!!

قال الإمام زين العابدين (عليه السلام): عمه زينب ارفعي اليتيمة عن رأس والدي فإنها فارقت الحياة، فلما حركتها زينب وإذا بها قد فارقت روحها الدنيا فارتفعت الأصوات وعلا الصراخ ، وقيل: أحضر لها أهل البيت مُغَسِلَةُ لتغسلها، فلما جردتها عن ثيابها قالت: لا أغسلها، فقالت لها زينب (عليها السلام) : ولم لا تغسلينها؟!

قالت : أخشى أن يكون فيها مرض، فإني أرى أضلاعها زرق ، قالت زينب (عليها السلام) : والله ليس فيها مرض، ولكن هذا ضرب سياط أهل الكوفة .

وتوفّيت السيّدة رقية ( عليها السلام ) في الخامس من صفر 61 هـ بمدينة دمشق ، ودفنت بقرب المسجد الأموي ، وقبرها معروف يزار .(14)

 

لقاء المنهال بالإمام زين العابدين(ع)

 

وفي الشام أيضا التقى المنهال بن عمر بالإمام السجاد عليه السلام فقال له: كيف أمسيت يابن رسول الله؟

فقال الإمام(ع): أمسينا كمثل بني إسرائيل وآل فرعون يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمدا منها ، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمدا منها ، وأمسينا معشر أهل بيته ، مقتولين ، مشردين فإنا لله وإنا إليه راجعون .

قال المنهال: وبينا يكلمني إذ امرأة خلفه خرجت تقول له: إلى أين يانعم الخلف؟ فتركني وأسرع إليها فسألت عنها قيل: هذه عمته زينب!! (15)

 

قال صاحب كتاب - في رحاب كربلاء : هذا النص بما يحمل من دلالات لايستطيع أحدنا بتجاوزه دون الوقوف عنده ، من ناحية كلام الإمام سلام الله عليه ومن ناحية عبارة السيدة زينب سلام الله عليها : "إلى أين يانعم الخلف؟" التي تكشف عن لهفتها على الإمام السجاد(ع) وحرصها على سلامته والسبب أنه الخلف بعد السلف بل هو نعم الخلف وبقية جدها رسول الله(ص) وبقية أبيها وإخوتها كما تعبر هي سلام الله عليها.. (16)

 

أقول: إن الحوراء زينب عليها السلام مع كثرة المصائب التي رافقتها في محن الأسفار الطويلة والشاقة ومع كثرة الزفرات والأشجان التي كانت مكبوتة في صدرها إلا أنها ما غفلت عن مداراة الإمام زين العابدين(ع) لحظة واحدة بل كانت تحوطه بالرعاية والعناية لأنه يمثل البقية الباقية من العترة المطهرة وهو الإمام المفترض الطاعة وهو الحجة والخليفة في الأرض وإليه ترجع مقاليد الإمامة من بعد أبيه سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام .

 

 

1- الشورى: آية 42

2- معالم المدرستين: ج3 -  ص 165

3- أمالي الطوسي: 677.

4- في رحاب كربلاء: ص 212 

5- نفس المهموم : 448 ـ 452 ط قم عن مناقب آل أبي طالب : 4/181

6- تاريخ الطبري : 5 / 462 ، والارشاد : 2/122.

7- الإرشاد للشيخ المفيد: ص 226.

8- تذكرة الخواص ص 183 مطبعة فرهاد ميرزا.

9- حياة الإمام الحسين(عليه السّلام) 345:3-347. 

10- الفتوح : 5 / 153 .

11- مقتل الحسين للمقرم: ص 360

12- انظر أمالي الصدوق: ص 219 

13- المصدر السابق: ص 231

14- ثمرات الأعواد: ج2 ص 50 

15- مقتل الحسين للمقرم: ص 360

16- في رحاب كربلاء: ص 214