شهداء كربلاء خير الأنصار

 

شهداء كربلاء خير الأنصار

 

إن ثناء الإمام الحسين على أصحابه قد أبرز مكانتهم  وبين للعالم صدقهم وإخلاصهم ووفاءهم وخلّد أسماءهم حيث قال: "فإني لا أعلم أصحابا أولى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي جميعا خيرا"(1) 

وأما على صعيد الشهادة ، فلا شهداء كشهداء عاشوراء من الأولين والآخرين ! ! هذا ما ورد عن أمير المؤمنين (ع) في وصف رتبتهم ، فقد ورد عن الباقر (ع) أنه قال : " خرج علي يسير بالناس ، حتى إذا كان بكربلاء على ميلين أو ميل ، تقدم بين أيديهم حتى طاف بمكان يقال له المقدفان ، فقال : قتل فيها مائتا نبي ومائتا سبط كلهم شهداء ، ومناخ ركاب ومصارع عشاق شهداء ، لا يسبقهم من كان قبلهم ولا يلحقهم من بعدهم " (2) .


 وإن كانت بعض الروايات قد ألحقت شهداء بدر بشهداء كربلاء في رتبتهم ، كما روى الطبراني بسنده المتصل إلى شيبان بن مخرم - وكان عثمانيا - قال : إني لمع علي رضي الله عنه إذ أتى كربلاء ، فقال : " يقتل في هذا الموضع شهداء ليس مثلهم شهداء إلا شهداء بدر " (3) .

 لكن ابن نما في ( مثير الأحزان ) قد أورد عن ميمون بن شيبان بن مخرم ، وكان عثمانيا قال : إنا لنسير مع علي ( ع ) إذ أتى كربلاء ، فقعد على تل ، فقال : " يقتل في هذا الموضع شهداء الأشهداء " . ويكفي للقطع بأن شهداء الطف ليس كمثلهم شهداء مطلقا ما ورد في قول الإمام الحسين (ع) من إطلاق في مدحهم حيث قال : " . . . لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي . . . " لشمول تفضيلهم فيه على من سبقهم ومن يأتي بعدهم .

 

لماذا حظي شهداء الطف بهذه المرتبة العظيمة؟؟

لقد نالوار رتبة هذا الوسام العظيم بشهادة الإمام المعصوم(ع) لمجموعة فضائل وملكات سمت بها أرواحهم وتجسدت في شخصياتهم الكبيرة:

 

الفضيلة الأولى: التسليم المطلق لأمر الله تعالى

 

يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم : « إنَّ لكلِّ شيء حقيقةً وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه» . فالمؤمن حقاً هو الواثق بالله تعالى وحكمته المستسلم لقضائه ،والمتقبل لما يجيء به قدر الله في اطمئنان أياً كان .

فالرِّضا بقضاء الله والتسليم لأمره من أعلى مظاهر الإيمان وهما من أبرز الخصال التي يتصف بها الأنبياء والأولياء ، ومن يتمسك بها يرتقي إلى قمة الهرم الإيماني.

والأنصار شهداء كربلاء جلهم وصلوا إلى رتبة التسليم المطلق لأمر الله تعالى فأصبحت الشهادة طريقهم وهدفهم الأول والأخير لذلك نالوا رتبة الأولياء والأصفياء والإمام الصادق (عليه السلام) في زيارته لهم يقول: (السلام عليكم ياأولياء الله وأحبائه  السلام عليكم ياأصفياء الله وأوداءه )

 

الفضيلة الثانية: التفقه في الدين

 

إن من المسلمات عند الطائفة الإمامية  أفضلية حبيب بن مظاهر (رضوان الله عليه) على أصحاب الحسين (عليه السلام مستثنين أنصاره (عليه السلام) ففيهم من الفقهاء ولكن أبا القسم حبيب هو أفقههم ولأنه صحابي كبير وتابعي جليل.. لذلك لقب بشيخ الأنصار..

ويدعم هذا التفضيل هو إفراد الإمام زين العابدين (عليه السلام) حبيباً بقبر مستقل، بينما دفن جميع الشهداء ـ عدا عمه العباس وأخيه علي الأكبر (عليهما السلام) ـ في قبر واحد.


وفي عقيدتنا أن أعمال الإمام وأفعاله حجة وكلها لحكمة ومصلحة ويتصرف طبق أوامر المولى سبحانه غير متأثر بحب، ولا مستوحش لبغض، فهو إنما خص حبيباً بهذه المكرمة لعلمه بسمو منزلته عند الله سبحانه وكرامته عليه، لأنه رجل فقيه عالم بأحكام الشربعة الغراء وغير مستبعد وما يدريك لعل الإمام السجاد في تفضيله لحبيب كان موصى بذلك من قبل أبيه الإمام الحسين (عليه السلام. (


وكيف كان فجل الزائرين للحسين (عليه السلام) يسلمون على حبيب الرجل العالم الفقيه الشهيد ويخصونه بالزيارة قبل الحسين (عليه السلام)، فكأنه البواب الذي يأذن للزائرين في الدخول عليه، إنها لفضيلة كبرى ومنزلة عظمى لهذا الرجل الشهيدالعظيم.

 

الفضيلة الثالثة: نصرة الإمام المعصوم

 

ورد عن الإمام زين العابدين(ع) أنه قال: كنت مع أبي في الليلة  التي قتل في صبيحتها فقال لأصحابه:

(هذا الليل فاتخذوه جنة فإن القوم إنما يريدونني ولو قتلوني لم يلتفتوا إليكم وأنتم في حل وسعة، فقالوا:  والله لا يكون هذا أبداً فقال: إنكم تقتلون غداً كلكم ولا يفلت منكم رجل قالوا: الحمد لله الذي شرفنا بالقتل معك فدعا عليه السلام وقال:  إرفعوا رؤوسكم وانظروا فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم ومنازلهم من الجنة وهو يقول لهم: هذا منزلك يا فلان ويا فلان ويا فلان فكان الرجل يستقبل الرماح والسيوف بصدره وبوجهه ليصل إلى منزلته في الجنة). (4)

 وهذه الكرامة هي من أفضل الكرامات  التي مني به أنصار الحق في كربلاء مكافئة لما بذلوا من نصرة للسيد الشهداء سلام الله عليه..

 

أيضا هذه الرواية تكشف لنا عن حقيقة شهداء كربلاء وثبات مواقفهم في نصرة إمامهم المعصوم وهم يلحظوا في الوقت نفسه على مستوى الساحة الإسلامية الكبيرة هناك من كبار الصحابة في المدينة والكوفة قد تخلوا عن نصرته وهذا الوقوف المبدئي جعلهم من المؤهلين لرتبة أبر وخير الأنصار فنالوا رتبة الأبرار في الجنة.

 

الفضيلة الرابعة: ملكة التقوى وقوة اليقين

 

الواجب الشرعي والإلهي  لنصرة الحق بحاجة إلى ملكة تقوى وخوف من الله وإذا لم يكن الجندي المحارب على مستوى من الإيمان اليقيني  يتراجع يخفق في وقت المواجهة  والصعاب والشدائد ولذلك يذكر لنا التاريخ نماذج كثيرة من الناس قد تراجعوا عن نصرة الحق في وقت البلاء والصراع الذي دار بين الحق والباطل في يوم عاشوراء فانهزموا واستسلموا وتفرقوا عن الحسين(ع) فمنهم من لزم الحياد ومنهم من انضم إلى معسكر الضلال ومنهم من روج وقال:(الحسين سلطان ويزيد سلطان ومالنا والدخول بين السلاطين) وبهذه المقولة الفاسدة كشفوا سوءة أخلاقهم ورداءة مواقفهم لكن أنصار الله والحق والإمام المعصوم ملكوا ملكة التقوى في قلوبهم بالرغم أنهم فئة قليلة في مقابل الجيش الأموي الذي يقدر بالألاف المؤلفة مع هذه المفارقة إلا أن هذه النخبة الطيبة تميزت على غيرها من الفئآت بالعزيمة والتقوى والإرادة  وقوة اليقين .

 

وحتّى كان في جيش الحسين عليه السلام ، ذي العدد الضئيل ، جنودٌ مجهولون  لم تحرِّ كهم إلاّ أنْباء كربلاء ولم يكونوا صحبوه منذ قبل  وواعية الحسين(ع)  طرقت مسامع آذانهم في نفس اللحظة التي بدأت فيها المعركة وسبط رسول الله(ص): يستغيث ويقول (ألا هل من ناصر ينصرنا ) حينذاك  غيروا وجهتهم فنصروه ودافعوا عنه  مالذي غيرهم ودفعهم نحو الإستشهاد؟ إنه دافع يقضة الضمير وصحوة الروح وامتلاك التقوى والإيمان بالله تعالى وقوة اليقين فبلغتْ إلى عقولهم صرخة أبي الأحرار فأصبحوا أحرارا ، ثم صعدوا على قمم الشهادة ، فالخلود.

 

قال العربان بن الهيثم :كان أبي يَتَبدى(5) فينزل قريباً من الموضع الذي كان فيه معركة الحسين(ع) ، فكنّا لا نبدو إلاّ وجدنا رجلاً من بني أسَدٍ هناك عليه سيماء الصلاح وتقوى الأولياء ، فقال له أبي : أراك ملازماً هذا المكان ؟

 قال : بلغني أنَّ حُسَيْناً يُقتلُ هاهنا ، فأنا أخرج إلى هذا المكان ، لعلّي أُصادفه فأُقْتَلَ معه ..

قال الراوي : فلّما قُتِلَ الحسين(ع) ، قال أبي: انطلقوا ننظر , هل الأسديُّ في مَنْ قُتِلَ ? فأتينا المعركةَ , وطوّفنا ، فإذا الأسديُّ مقتولٌ(6)

 

الفضيلة السادسة: التواضع لأجل الحق

 

التواضع للحق من أفضل الفضائل المبدئية الأخلاقية  وهذا المبدأ الشريف تميزت به شخصيات الأنصار يوم كربلاء .

أنصار الفداء في يوم كربلاء كانوا على مستوى واحد في التواضع للحق وعلى رغم كل هذه التضحيات الجسيمة التي بذلوها في نصرة الحق إلا أنهم كان ينتابهم شعور الخجل بالتقصير أمام رائد مسيرة الحق الإمام الحسين(ع) لأنهم كانوا يرونه قدمثل التواضع بكامله وساوى بينهم في المودة والمحبة فكما وضع الحسين (ع) خده على خد إبنه علي الأكبر لما صرع واستشهد هذا الصنيع مثله صنعه مع جون الزنجي العبد الأسود لما صرع على الأرض يشخب بدمه جاء سلام الله عليه ومرغ خده على خده وكان في الشهيد جون رمق من الحياة فتح عينيه وهو يفتخر ويقول من مثلي وابن فاطمة الزهراء واضع خده على خدي...

 

أيضا سيد الشهداء كرر هذا المشهد مرة أخرى مع ذلك الغلام التركي الشهيد لما استشهد وضع خده على خده وإذا به يفتخر ويقول: من مثلي وابن رسول الله(ص) واضع خده على خدي ثم فاضت نفسه الطاهرة.. (7)

فالإمام الحسين (ع) يضع خده على خد غلام حبشي أو تركي قاتل بين يديه دفاعاً عن الاسلام، كما وضع خده فيما بعد على خد ولده علي الأكبر(ع) لماذا يصنع حجة الله الحسين(ع) هذا الصنيع ويتواضع لأدنى هذا المستوى ويعفر جبهته على جباههم لأن الإمام الحسين(ع) يعلم بأن هؤلاء الشهداء تواضعوا للحق وبذلوا لأجله أغلى مايملكون وهي نفوسهم ودماءهم..

 

الفضيلة السابعة: الوفاء بالعهود -  والإيثار

 

عندما نذكر الوفاء بالعهد ونقول أنه فضيلة معنى ذلك ليس اعتباطا وإنما رب العزة في كتابه أمرنا بالتمسك بهذا المبدأ وقال: (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً)(8)

وقال تعالى: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ) (9)

 

ولقوله عزوجل: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}(10)

 

إن الوفاء بالعهد معناه الصدق مع الله عزوجل والصدق مع النفس والصدق مع أولياء الله وحججه  ومقصودنا في هذا المطلب بالأولياء هم أئمة الهدى وسادة الخلق عليهم السلام الذين فرض الله مودتهم وطاعتهم على البرية..

 

والوفاء في يوم عاشوراء مثله الشهيد البطل عمرو بن قرظة الأنصاري ورواية أخرى تشيرإلى أن الذي قام بهذا الدور البطولي هو عبدالله الحنفي ومفاد ذلك أنه  لما تكاثرت الحراب والسهام نحوالحسين عليه السلام من العدو أخذ هذا البطل يحميه ويتلقّى السهام بصدره وجبهته، فلم يصل إلى الحسين(ع) سوء، ولما كثرت فيه الجراح التفت إلى أبي عبدالله الحسين(ع) وقال: "أوفيت يا بن رسول الله؟" قال: نعم أنت أمامي في الجنة فاقرأ رسول الله مني السلام وأعلمه أنّي في الأثر، وفاضت روحه الشريفة..(11)

 

ومن فضيلة الوفاء بالعهود ينبثق الإيثار الذي يعد من أرقى مراتب القيم الأخلاقية وشخصيات أنصار الله شهداء كربلاء نالوا رتبة هذه الفضيلة والإيثار الكربلائي لم ينفرد به بطل كربلاء العباس بن علي لوحده فحسب وإنما كل شهداء الفضيلة في ثورة الطف آثروا بأنفسهم ولكن أبالفضل العباس(ع) كان رائد هذه الفضيلة واختص بها فكان أكثر إيثارا من غيره فتمثل يوم الطف بخلق المروأة ..

-----------------------------------------

 

1- مقتل الخوارزمي:246 /1،اللهوف :79.

2- بحار الأنوار : 41 / 295 ، باب 114 ، حديث رقم 18

3- المعجم الكبير : 3 / 11 1 .

4- مثير الأحزان: ص: 56 ط: النجف الأشرف.

5- معنى يتبدى: أي يخرج إلى البادية

6- مختصر تاريخ دمشق ، لابن منظور ( 7 / 145) .

7- المناقب : 4 / 104 ، راجع البحار : 4 / 104 و 45 / 30 .

8- الأسراء:34

9- الرعد: 20

10- البقرة:177

11- مقتل الحسين، للمقرم:306).